صديق الحسيني القنوجي البخاري

101

أبجد العلوم

رجح فلا يظنوا أنه فعل ذلك وهو جاهل لما عندهم ، وهذا مأجور وإن كان قصده إنما هو ليعرفوا أنه عالم فقط ، فهذا معجب بنفسه . ومنهم من يظهر بذلك لأهل مذهبه أنه لم يخالفهم وأنه باق على وفق قول إمامهم ، وهذا الفعل يخالف أخذ الميثاق وأمر العلماء بالبيان وخشية اللّه منهم وكونهم ورثة الأنبياء . ولهذا البحث مزيد فائدة في ( القول السديد ) وقد جرت عادة اللّه سبحانه أن فاعل ذلك لا بدّ أن يبقى مضطهدا خائفا محروم العلم لا ينفعه ذلك في الدنيا وفي الآخرة شيئا ، وأن فاعل الحق ومتبعه والمتظهر بنصره والقيام لخدمته والبيان لما خالفه والرد على قائله في أعلى رتب الشرف وأرفع درجات الكمال ، مجلل مبجل مهاب ، وكان الفرد المنظور إليه بعين العلم وإن كلامه هو الحق . والصواب ، متبع في الناس معمول بما قاله وإن خولف في مدة حياته كبعض العلماء الكبار . فتنظر بعد موته وإذا كلامه عند المخالف والمؤالف مقبول ويستدل به كل أحد . وتنظر وإذا كل مؤرّخ إذا ذكره جعل ترجمته أكبر التراجم ويذكر من فضله ونبله ما يخلع قلوب مخالفيه ، ولا يقدر أحد على جحد فضائله ولا كتم مناقبه ، بل يشهد له بها المخالف كابن حزم وابن تيمية وغيرهما في كل عصر . ثم إن لهم فضائل غير هذه منها : الصدع بالحق ونصره ، ودفع الباطل وإظهار ما وجب . ولذا ترى كثيرا من الصحابة يقولون لولا أني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « من كتم علما » الحديث . وسمعت قول اللّه تعالى : وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ما حدثتك . فكم للعلماء مواقف عند أمراء الجور وسلاطين الظلم يسطع فيها بالحق ويتكلم بما يوافق الشرع ، ولا تأخذه في دين اللّه لومة لائم ، ولا يردعه عن إظهار الحق رادع . ولذا تنظر ما كان لهم من الأجر الجزيل والجزاء الجليل في قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « وأفضل من ذلك كله كلمة حق عند سلطان جائر » . فتنظر ، وإذا القائل بالحق كلامه المصدق وقدره المبجل ، وشأنه عندهم المعظم وتنظر من داهن أو وافقهم على مرادهم رجاء لقربه منهم ودنو مودتهم له يكون عندهم مدحورا مذموما مردودا ؛ على أنه يصير علم الثاني سخرية وضحكة ، ويبقى في أيدي الناس لعبة ويطرح عندهم إلى الغاية ؛ ويناله من الإهانة النهاية . وكم في كل زمان من أهل هذا الشأن ، فالأول فاز وكان من أهل السعادة في الدارين . والثاني هلك وكان من أرباب الشقاوة في الحالتين وصدق عليه قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « أنه من الثلاثة الذين تسعّر بهم النار وأولهم دخولا فيها » نسأل اللّه سبحانه الهداية والصلاح وأسباب الألطاف التي تكون موجبة للفلاح والنجاح . ومنها : الصبر على التعليم والتهذيب لمن وصل إليهم ، واشتغال أوقاتهم بالتدريب لهم ، وبذل مجهودهم في إخلاص نصحهم في إفادتهم .